… والآن مَن سيحاسب موقف البطريرك؟

مشاركة:

بلا تشفٍّ من حلفائه، ولا انتقاد لتقلّباته، لكن الحقيقة تقتضي الاعتراف بأنها ليست المرة الأولى التي يتلاعب بهم وليد جنبلاط.

في أقل من عقد، تقاذفهم مرات. وأحياناً من دون رحمة، ومع إمكان الأذى، ولو من دون نيّته.

بدأ مسيرته المستجدة معهم، بعد نداء بكركي في 20 أيلول سنة 2000. يومها نزل أبو تيمور إلى ساحة النجمة متحدثاً عن إعادة تموضع سورية، وبحث في السياسة. صدّه أبو جاسم، حارس القفص البعثي الكبير. فانفجرت الأوهام شرقاً، وبدأت الرهانات.

انطلقت قرنة شهوان. قيل إن تقاطعاً سمح لثنائي الحريري ـــــ جنبلاط بمغازلتها عن بُعد. حتى كانت زيارة البطريرك الماروني إلى الجبل في 3 آب 2001. نفّذ السوريون وإميل لحود وإلياس المر انقلابهم، فكان الحريري وجنبلاط ثاني المنقلبين، وترك «مسيحيّو بكركي» فريسة لتصفية حسابات بين أزلام أبو يعرب، وأزلام أبو عبده.

لم يتعلّموا. بل ظلّوا يرفعون ذريعة «شبكة الأمان»، مشجباً يعلّقون عليه هدفين اثنين: رفض ميشال عون، والرهان على شرعية من خارج المسيحيين.

بعد أقل من عام، كان امتحان ثانٍ. توفي ألبير مخيبر. تبلبلت حسابات «القرنة» وخارجها. وقفت أكثرية مع غبريال المر، ففوجئوا بوليد جنبلاط ضدهم. بعدها ذهب ميشال المر إلى رد الضربة بأخريات «تحت الزنار». أقفل تلفزيون شقيقه، أسقط نيابته. نزل شبابهم إلى الشارع، فكان جنبلاط ضدهم.

بعد فرعية المتن مباشرة، عضّوا على الجرح الجنبلاطي، وذهبوا إلى لوس أنجلوس: قرنة وبطريرك ممثلاً بسبعة أساقفة. قبل انتهاء المؤتمر، أطلق بيك المختارة النار عليهم. بدأ باستهداف جبران تويني ـــــ حليفه في فرعية المتن نفسها ـــــ ثم عمّم رصاصه على كل حلفائه. حتى قال هؤلاء إنه حرّض يومها عنجر لتأمر عدنان عضوم باعتقالهم.

كان الخيار الآخر متاحاً لهم: أن يدعموا المرجعية التي سبقت جنبلاط إلى الرؤية الصائبة

سكتوا وأكملوا نهج الرهان على «شبكة المختارة» و«فلير» البيك السياسي، وأنانيته المعلّقة على خطوط الخارج الرؤيوية. أشهر قليلة وعاودوا الكرّة. كانت الغيوم تتجمّع فوق بغداد. وكانوا هم يركّزون هجومهم على الوصاية. فاخترعوا مناسبة: عشاء سنوي لمؤسسة فؤاد غانم البون، في قلب كسروان، على حائط جونيه. وكالعادة، دعوا البيك ليكون الضيف المكرّم والمحتفى به وخطيب اللقاء. وقف جنبلاط في زاوية ذلك الفندق الكسرواني، لم ينظر في وجه أي منهم، بل وجّه إليهم كلاماً كالتأنيب، كالتوبيخ، كالصفعات في كلمات: اذهبوا إلى دعم سوريا فوراً، فالعاصفة آتية علينا من العراق…

تحمّلوا الجرح ولم يسكتوا وحسب، بل زايدوا. بعد أسابيع أقنعوا البطريرك بالإشادة بموقف بشار الأسد و«حكمته وبُعد رؤيته». قبل أن يزحفوا جميعاً مع صاحب الغبطة والبكوية إلى حريصا، للصلاة دفاعاً عن صدام، كما أمر الوليد.

ومرّت أشهر. توفي بيار حلو في آب 2003. حدّدت فرعية بعبدا في 14 أيلول. وقف صفير ـــــ كما دوماً ـــــ مع الوراثة. خاض ميشال عون معركة السيادة الثانية. فاصطفّ جنبلاط مع كل نظام الوصاية، خلف مرشحه هنري حلو. بعدها تسارعت التطورات، جاء التمديد للحود، رفضه جنبلاط. سقط الحريري، تولّد حدث 14 آذار 2005. التقوا في البريستول لقطف ثمارهم، فتركهم وذهب إلى طهران، وركب الحلف الرباعي…

ليست المرة الأولى التي يلقّنهم جنبلاط درساً في الواقعية والبراغماتية والحنكة ومصير مَن يخرج من جلده. لكنها المرة الأولى التي يقدمون على «الخيانة»، فيما الخيار الآخر متاح: أن يدعموا المرجعية المسيحية التي رأت الأفق قبل جنبلاط، وربطت مع مفاصله، من الضاحية حتى دمشق وطهران. في انتظار هذه اللحظة بالذات. كان الخيار متاحاً لهم ليعلنوا أن عون كان على حق، قبل جنبلاط، وعلى صواب رؤية قبل جنبلاط. وأن موقفه كان لضمان التوازن الوطني، عند استحقاق الانقلاب الحاصل اليوم. لكنهم رفضوا. فضّلوا الخيار الآخر. اختاروا الذميّة لدى البيك، وذريعة أن «الكيان في خطر»، قبل أن يكتشفوا بعد فوات الأوان. للمرة الخامسة أو العاشرة، يخطون ويخطئون. لكن للمرة الأولى، يمكن السؤال: والآن مَن سيحاسبهم؟ مَن سيحاسب البطريرك وكل مَن سار في خياره؟