«روحي أنت طالق»: لأسباب محض انتخابية

مشاركة:

انتهت معركة الانتخابات النيابية في 8 حزيران، ولا تزال تداعياتها ترخي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين في البقاعين الأوسط والغربي

وإن كانت هذه الأمور من «بديهيات» المجتمع اللبناني، إلا أنها تجاوزت الخطوط الحمر في هذا الاستحقاق، ووصلت إلى حدّ يهدّد بتفكك بعض الأسر، التي لجأ أركانها إلى رفع دعاوى طلاق، وصلت بعض أوراقها إلى أدراج المحاكم الشرعية .

«لم يسبق أن شهدنا انتخابات بهذا الشكل المزري منذ نلنا استقلالنا منتصف أربعينيات القرن الماضي»، هكذا وصف أحد مخاتير بلدة من بلدات البقاع الأوسط تبعات الانتخابات النيابية الأخيرة وتداعياتها.

وبعيداً عما درجت عليه العادة من احتفالات ومسيرات وهتافات «تزريك» يحييها عادة أنصار الفريق الفائز، ويكظم الخاسرون غيظهم منها إلى أن تبرد الأمور بعد أيام وتعود إلى مجاريها، لم ينف المختار الذي طلب عدم ذكر اسمه، نظراً لحساسية المواضيع التي سيتناولها هذا التحقيق، حصول خلافات عائلية حادة بين بعض الأزواج وصلت إلى عتبة أبغض الحلال.

وعما يشاع من لجوء بعض الأزواج للمحاكم الشرعية بقصد الطلاق رسمياً، تحفظ المختار على الدخول في تفاصيل ما يجري، موضحاً أن عدداً من النساء كنّ قد تركن بيوتهن الزوجية بعدما تشاجرن مع أزواجهن بسبب رفضهن الاقتراع لمصلحة مرشحين يحظون بدعم رجالهن. وأردف المختار أن هذه الحالات لا تتعدى أصابع اليد وهي في طريقها إلى الحلحلة، بمسعى من المصلحين الذين بادروا إلى تهدئة النفوس لإعادة الأمور إلى طبيعتها. تحفّظات المختار عن البوح بأسرار العائلات، يقابلها تأكيد عدد من أهالي البلدة، من أن أحد الأزواج لجأ فعلاً إلى المحكمة الشرعية وباشر معاملة طلاق زوجته بعد رفضها الاقتراع لمصلحة أحد المرشحين من الذين لم يحالفهم الحظ، لا سيما أن للزوج صلة قربى بهذا المرشح. كما أن نتائج الانتخابات دفعت أحد الشبان إلى فسخ خطوبته من فتاة تربطها صلة قربى بالمرشح الخاسر نفسه.

حالات مماثلة حصلت في إحدى بلدات البقاع الغربي، إذ تقدم أحد الأشخاص أمام المحكمة الشرعية لإنجاز معاملة طلاقه من زوجته، وذلك بعدما كان قد رمى عليها يمين الطلاق، بسبب رفضها الاقتراع لمصلحة اللائحة التي يؤيدها.

وتشهد بعض بلدات البقاعين الأوسط والغربي حركة مصلحين وسعاة خير، هدفها جمع شمل عدد من الأزواج سببت الانتخابات ترك النساء منازلهن والعودة إلى بيوت ذويهن تجنباً لتعرضهن للضرب، ناهيك عما كن قد تعرضن له من إهانات وشتائم جراء مخالفتهن ميول أزواجهن السياسية.

وكان أحمد (اسم مستعار) الذي يسكن في إحدى قرى البقاع الشرقي، قد هدد زوجته وهي من مذهب آخر، بالطلاق في حال اقتراعها للائحة المنافسة للتيار السياسي الذي يؤيده، ويتحدث مقربون من عائلة أحمد أن الأخير، للتأكد من عدم مخالفة زوجته أوامره، أرغمها على القسم بالله وبحياة أولادها بأنها لن تنتخب عكس ميوله السياسية عندما تقف خلف المعزل.

وفي زحلة لا تختلف الصورة عمّا يجري في القرى. فبرغم مرور أكثر من أسبوعين على الانتخابات، لا تزال تداعياتها تطغى على علاقة أهالي المدينة الذين انقسموا، لينسحب ذلك من الشارع إلى المنازل التي تشهد معظمها معارك طاحنة بين أفراد العائلة الواحدة، ولم تقتصر الخلافات والشجارات هنا على الأشقاء والشقيقات بل طالت الأزواج أيضاً، وعلق أحد المسنين على ذلك بالقول «الله يلعن الانتخابات خلفت الرجّال هو ومرتو والخي مع خيو، الله يلطف بالعباد ويرد عقل الناس لروسها».

ورأى القاضي الشرعي قي قضاء راشيا الوادي الشيخ حمزة شكر، أن النظرة الأساسية لحرية الإنسان والفرد في الدين الإسلامي، رجلاً كان أو امرأة، إن كان بالغاً وعاقلاً، هو تمتعه بحرية غير منقوصة تبدأ بحرية الاعتقاد حتى آخر درجة من درجات الحرية الاجتماعية، ولا يجوز لوليّ الأمر أن يتحكم لا في اعتقاد الزوجة ولا في حريتها ولا في إدارة أموالها، ولا في صلتها من الأرحام بأقاربها، وهي تملك كامل حريتها في أن تعتقد ما تشاء وتختار من تشاء، وأوضح القاضي شكر أن هذه الأمور لا تقع ضمن ولاية الزوج على زوجته.

كما أن كل تهديد يحصل من الزوج لزوجته أو بالعكس، هو خارج عن منطق الشرع والقانون، وإن نفذ شيء من هذا التهديد، كأن علق طلاقها أو حياتها الأسرية على شرط ما من هذه الشروط، فهو شرط فاسد، ولا يقع إذا خالفته أو خالفها الرأي ضمن نشوز طاعة الزوجة لزوجها، وما هو إلا ضعف في الإرادة وتعسف في استعمال السلطة الممنوحة للزوج من الناحية الشرعية. ونصح القاضي شكر كل مجتمع يريد المحافظة على بيته وأسرته وأولاده، أن يكون الأمر بالاختيار لا بالإكراه، وأن كل إكراه باطل حتى الإكراه على أمر ديني وهو باطل لا قيمة له.

وعن دور المحاكم الشرعية في قضايا كهذه، لفت القاضي شكر إلى أن سلطة هذه المحاكم لا تتعدى محاولة جمع شمل الطرفين بالسبل المسموح بها شرعياً، وليس باستطاعتها فرض أحكام تتعارض مع الأسس الشرعية إذا أصرّ أحد الطرفين على موقفه، «إذ يمكن أن يكون ذلك مجرد ذريعة تعمدّها أحدهما للوصول إلى غاية منشودة، وربما هي نتاج لخلافات سابقة متراكمة بين الزوجين».

ونفى القاضي شكر علمه بحصول حالات طلاق سببها نتائج الانتخابات النيابية، مستغرباً أن يهدم المرء بيته و«يحرق بيدره» في سبيل أمور سياسية تتقلّب وتتغيّر وفقاً للظروف والمصالح الدنيوية.