المغتربــون يصوتــون والمقيمــون يضرســون

مشاركة:

شكّل اللبنانيون الآتون من بلدان الاغتراب للاقتراع، واحدة من سمات الانتخابات البرلمانية التي مرّت.

من بلاد الصقيع، أي كندا، أو السامبا، أي البرازيل،

أو من البلدان «الجارة» كفرنسا وايطاليا ودبي…، أتوا ووضّبوا، مع امتعتهم، لوائح أعدوها، أو أعدت لهم، مع بطاقات السفر. أتوا عائلات أو أفراداً لتلوين النتيجة بالأبيض والأحمر، أو الأزرق أو البرتقالي أو الأصفر … فشكلوا «ثقلاً» لم يكن بالحسبان.

لم تكن مشاركتهم بديلاً عن قانون يسمح لهم بالاقتراع من بلدان إقامتهم. كما لم يكن في النية إشراكهم في تقرير مصير الوطن. فطائراتهم شبّهت «ببوسطات المجنسين» على الأقل هذا ما يقوله طوني بامتعاض، وهو الآتي من أميركا للاقتراع في البترون.

لا بل وأكثر، شبهتهم إحدى العاملات في ماكينة انتخابية بالأثقال الحديدية التي كان يستخدمها البقال في ميزانه. قالت «هنا ينقصنا 2 كيلو فلنأت بمئتي مغترب. بينما حاجتنا هناك لنصف كيلو فلنعمل على شراء أصوات المقيمين»….

أتى إلى لبنان 54 ألفا و900 مغترب في الأسبوع الأخير قبل الانتخابات وفق أرقام مطار بيروت، فطعنوا بمصداقية استطلاعات الرأي التي بنى عليها بعض الأفرقاء آمالاً وعملت ماكيناتهم وفق نتائجها. في الحصيلة كانت «بيضة القبان» في مكان آخر، وقد وفدت عبر طائرة خصصت رحلتها للمناسبة.

انتهت الانتخابات، وأتت النتائج على ما أتت عليه. فحمل المغتربون مسؤوليتها معهم إلى بلدان إقامتهم. مع هذا، هم لم يأتوا لتأدية هذا الدور. بل اقتصر طموحهم على التصويت كل لخطه السياسي. ذلك إن كانوا من الفئة المسيّسة.

تلك الفئة أخذت على عاتقها مصاريف رحلتها، من وإلى بلد إقامتها. أتت حاسمة موقفها. وهي، في غالبيتها، لم يمض على مغادرتها لبنان أكثر من سبع سنوات.

غادر وائل إلى دبي للعمل في العام 2002، وهو يزور أهله مرة او مرتين في السنة. لكنها المرة الأولى التي يأتي فيها للانتخاب. ويقول «انا متحمس لخط سياسي معين، وقد اتصلت بجميع أصدقائي في العام 2005 للتصويت لمرشحيّ، غير أن المعركة هذه السنة بدت لي أكثر تشنجاً وعلمت أنها ستؤثر على مستقبل لبنان داخليا وخارجيا فأتيت بنفسي».

لا يعرف وائل أياً من الذين أتوا للانتخاب في دائرته البترون المدفوعة تكاليف رحلتهم من قبل تيار أو حزب، «لكنني سمعت في دبي عن جهات تدفع تكاليف الرحلة والإقامة ليومين».

من الصعب الوقوع على فرد أو عائلة مستعدة للاعتراف بأنها وفدت إلى لبنان عبر مساعدة جهة سياسية. يشرح طوني أبي عقل المقيم في أميركا، أن الذين أتوا الى لبنان عبر رحلة مدفوعة هم نوعان «نوع متحمس لخط سياسي ولا تسمح له ظروفه المادية بدفع تكاليف السفر، لا سيما حين يكون الحديث عن عائلة بكاملها. فيتكفلّ الفريق المتحمس له بدفعها. وهو ما قام به الفريقان المتنازعان. ونوع آخر لا تعنيه السياسة والسياسيون اللبنانيون، لكنه وافق على المشاركة في الانتخابات، معتبراً مدة الإقامة فترة للراحة والاستجمام مدفوعة سلفاً».

ويلفت أبي عقل إلى أن واحداً من التيارات السياسية في لبنان عمد إلى هذه الطريقة لكسب أصوات أكثر من غيره «فكانت تقلع طائرات بكاملها من المطارات الأميركية على اسم ذاك التيار».

مع التكتم الشديد الذي أصرّ عليه المغتربون خلال إقامتهم في لبنان، يمكن الاستخلاص أن إقامتهم مدفوعة من خلال عوامل عدّة أبرزها المغادرة السريعة بعد الاقتراع. ميرنا، على سبيل المثال، غادرت إلى فرنسا بطريقة غير شرعية وكانت تنتظر لحظة «تسوية أوضاعها لزيارة أهلها في جبيل». من غير المنطقي، تقول جارتها «أن تتكبد مصاريف الرحلة من بطاقات السفر والإقامة لثلاثة أيام لتمارس حقها بالانتخاب، والمعروف عنها أوضاعها المادية المتعثرة. فمن مرّ على مغادرته لبنان عشر سنوات لا بدّ وأن يدفع ثمن رحلته لرؤية الأهل والاستجمام في البلد وليس للانتخاب».

وجدت أنطوانيت كرم في تشكيل برلمان جديد، فرصة للعودة إلى ربوع الوطن من أوستراليا. وقد غادرت بلدتها في جبيل منذ اكثر من عشرين عاما مع ابنها.

إبنة الثمانين أرادت التصويت لإبن إده، معرّفة عن نفسها بـ«الكتلاوية القديمة». هي لم تفهم كيف ان «ابن إده ترشّح عن دائرة كسروان وليس جبيل». أجابها ابنها ممازحا «هو نفسه لم يفهم». حزنت أنطوانيت لأن ما يهمها من العملية الانتخابية إسقاط الدستوريين والتصويت لوريث العميد ريمون إدّه بعد مماته. وقد أردفت «سأصوت لحلفائه في جبيل، أليسوا كتلاويين؟».

مثلها، وصلت سيّدة سبعينية إلى زغرتا للتصويت لحفيد يوسف بك كرم.

حاول أبناء العشرين والثلاثين الاستفادة من الإقامة القصيرة في لبنان، والتمتع ببحره أو جبله ما أن انتهوا من العملية الانتخابية. فيوضح ربيع كنعان أن «للمغتربين حقّ بالاستفادة من بلدهم. صحيح أن المقيمين بدوا أكثر توتراً منّا، لكننا ما أن نغادر بلداتنا وقرانا، سوف ننسى حماوة المعركة ونتائجها. في بلدان إقامتنا، نهتم بمسائل مختلفة كالضمانات الاجتماعية والوضع الاقتصادي تاركين السياسة لأهلها».

يعترف كنعان أن رأيه استفز العديد من أصحابه المقيمين، خصوصاً أولئك الذين لا يشاطرونه الخط السياسي نفسه. يقول «هم يعتبرون أنه لا يحق لمغترب أن يبدل من نتائج الانتخابات بصوته، ومن ثم يغادر لبنان من دون أن يتحمّل مسؤولية تصويته». لافتا إلى أن أكثر من يستفزّهم الكلام «أولئك الذين مضى على غربتهم أكثر من ثلاثين عاماً وقد أتوا للتصويت لمن لا يعرفون عن ماضيهم شيئاً».

يختلف الوضع بالنسبة للأرمن الوافدين وقد «اتوا لإعادة الاعتبار للطائفة بعد كل ما قيل عنهم ولهم»، بحسب آفو قره بتيان، مشيراً إلى أن المغتربين الأرمن على اختلاف انتماءاتهم أتوا للتصويت في المتن وبيروت وزحلة.

يجيب المغتربون عن السؤال: لماذا أتيتم للمشاركة في الانتخابات؟ بأن لبنان وطنهم ويهمهم مستقبله والتصويت لمن يضمن له هذا المستقبل. ويجيبون عما إذا كانت لديهم خطط للعودة إليه؟ بكلا «حتى الساعة». أما عن شعورهم بعد التصويت؟ فيجيبون بأنها تجربة لن تتكرر لأن التأجيج الطائفي والسياسي، تبعته تهدئة ومحاولات للحوار بعد فرز النتائج مباشرة… ما يؤدي إلى الشعور بالاستخفاف بعقل الناخب أو المواطن.

علما أن بعضهم سيعيد «الكرّة» إن دفعت له مصاريف الرحلة والاقامة وعندها يُرفع شعار «قباض منو وما تصوت له» كما ألمحت ريما الصايغ.

يبدو مما سبق أن محاضرات التثقيف السياسي التي أقامها أكثر من حزب وتيار في بلاد الاغتراب، وصرفهم مبالغ باهظة على كل صوت مغترب عدّلت في نتيجة الانتخاب، التي على المواطن المقيم أن يتأقلم معها. أما بالنسبة للمغترب فكانت رحلة استجمام لن تترك أثراً فيه بعد العودة، الا الحبر الأزرق على الاصبع.