استعدّوا للضرائب الجديدة: زيادة الـ TVA وتعرفة الكهرباء وخصخصة

مشاركة:

قد يعاني اللبنانيون، في الأيام المقبلة، آلام مخاض ولادة حكومتهم الجديدة… ومهما كانت التسوية السياسية التي ستحدد شكل هذه الحكومة وتركيبتها، فإن بعض الآلام سيدوم طويلاً بسبب عودة الأكثرية النيابية نفسها لتنفيذ ما تعتبره برنامجها الاقتصادي، وهو البرنامج الذي تدّعي أنها عجزت عن تنفيذه في المرحلة

حتى الذين كانوا متحمّسين جداً لفوز المعارضة في الانتخابات النيابية، لم يكونوا يتوقّعون تعديلات جذرية أو جوهرية في السياسات المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية للحكومة التي ستنبثق عنها… إلا أن الجميع كان يدرك أن فوز تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل وتيار المردة كان سيسمح بإعادة النظر في الكثير من السياسات المشكو منها والإجراءات التي يعتبرها تيّار المستقبل من «الأساسيات»، ولا سيما تلك التي التزمت بها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى في اجتماع باريس ـــــ3.

فأطراف المعارضة، وتحديداً التيار الوطني الحر، خاضوا جزءاً من معركتهم الانتخابية على أساس وعود للناخبين بالتصدّي للفساد والمديونية وإعادة الاعتبار إلى الاقتصاد الحقيقي وتدعيم وتوسيع شبكات الأمان والحماية الاجتماعية، فيما أطراف الأكثرية، وعلى رأسهم تيار المستقبل، عمدوا إلى تخويف الناخبين من خطر فوز المعارضة في الانتخابات، وحذّروا صراحة من أن ذلك سيطيح نهائياً برنامج باريس ـــــ 3، بل إن تيار المستقبل كان يرى أن «تعطيل» المجلس النيابي، ثم حصول المعارضة على الثلث المعطّل في الحكومة بعد اتفاق الدوحة، منعا من تنفيذ الإجراءات التي تضمّنها هذا البرنامج، وهو ما جعله يخوض معركته الانتخابية على أساس وعود باستكمال تنفيذ كل ما عجزت عن تنفيذه الحكومتان السابقتان.

لكن مع هدوء المعارك الانتخابية وعودة الأكثرية النيابية نفسها، واحتمال تأليفها حكومة متجانسة في الحدّ الأدنى، وقادرة على اتخاذ قراراتها منفردة في مجالات معيّنة تتصل بحياة المواطنين ومستوى معيشتهم وحقوقهم الأساسية… بات ممكناً إعادة التذكير بببعض إجراءات باريس ـــــ 3، التي لم تتحقق:

المديونية

يقدّر الدين العام حالياً بأكثر من 56 مليار دولار، منه 47 ملياراً ديناً حكومياً معلناً وحوالى 3 مليارات دولار من المتأخّرات وحوالى 6 مليارات من الديون المخفية، وهذا الواقع رتّب أعباءً باهظة جدّاً على اللبنانيين الذين سيضطرون في هذا العام إلى تسديد أكثر من 6441 مليار ليرة (4.3 مليار دولار) فوائد دين واستحقاقاته، أي أكثر من 41 % من مجمل النفقات العامّة.

وقد دأبت الحكومات المتعاقبة على اعتبار الدين العام سبباً للمشكلة وليس نتيجة لها، أو اعتباره حالة ظرفية لا جزءاً من عمل النموذج القائم، وهي المقاربة نفسها التي اعتمدها برنامج باريس ـــــ 3، فعمد واضعوه إلى إلزام اللبنانيين بإجراءات لن تؤدّي إلا الى زيادة الأعباء عليهم من دون أن تتصدّى فعلياً لمشكلة تنامي المديونية العامّة.

فالبرنامج المذكور يعتقد أن معالجة الدين العام ممكنة عبر زيادة الفائض الأولي، أي خفض النفقات وزيادة الإيرادات، وعبر الحصول على المزيد من القروض الخارجية باعتبارها أقل كلفة من القروض الداخلية، وعبر إطلاق أوسع عملية خصخصة يمكن ان تدرّ حوالى 5 مليارات دولار، أي خسارة أصول مهمّة جداً يمتلكها المجتمع اللبناني بواسطة الدولة من أجل خدمة الدين لسنة واحدة فقط.

ولكي تُغطّى هذه المقاربة الجائرة، عمد واضعو البرنامج إلى إغراقه بمجموعة واسعة ومتنوعة من الإجراءات الإدارية والفنية الثانوية جدّاً التي لا تؤثّر في الوضع القائم أبداً، كما عمدوا إلى استخدام أدبيات اقتصادية واجتماعية لن تجد طريقها إلى التطبيق.

المفارقة أن جميع الداعين إلى تنفيذ التزامات باريس ـــــ 3 يتحدّثون عن «مساعدات» بقيمة 7.5 مليارات دولار أقرّها المانحون لدعم جهود الحكومة اللبنانية، إلا أنه لا أحد يوضح للبنانيين أن حصّة الهبات من هذه الأموال لا تتجاوز 9 % وهي مشروطة بمعظمها بشروط سياسية ومالية وضريبية وإدارية لا تصبّ في مصلحة المنتجين والفقراء، ولا في أي مصلحة وطنية، ولا تنحصر هذه الشروط في جانب الخصخصة أو فرض الضرائب، بل تتعداها إلى وضع لبنان تحت وصاية صندوق النقد الدولي.

زيادة الضرائب

يوضح الخبير الاقتصادي المعروف شربل نحّاس أن زيادة الفائض الأولي يعني آلياً تقليصاً للقدرة الشرائية للمواطنين، فالرصيد الأولي هو الفارق بين ما تجبيه الدولة (من دخل المواطنين) وما تنفقه على غير خدمة الدين (يضاف إلى دخل المواطنين)، فوجود فائض أوّلي يعني أن الدولة أخذت من دخل المواطنين أكثر مما أضافت إليه، أمّا وجود عجز أوّلي (أي زيادة في الدخل) وجب تمويله بمزيد من الاستدانة تضاف إلى خدمة الدين السابق.

فكيف تنوي الحكومة المقبلة تحقيق الفائض الأولي؟

بالاستناد إلى التزامات باريس ـــــ 3، فإن الإجراءات المطروحة تتضمن الآتي:

ـــــ زيادة نسبة الضريبة على القيمة المضافة من 10 % إلى ١٥ %.

ـــــ زيادة نسبة الضريبة على الفوائد المصرفية من 5 % إلى ٧%.

ـــــ زيادة الرسوم على صفيحة البنزين إلى 12 ألف ليرة، يضاف إليها الضريبة على القيمة المضافة، علماً بأن الحكومة الحالية عمدت إلى زيادة هذه الرسوم مع انخفاض الأسعار في الاسواق العالمية، وقامت بتثبيتها على 9450 ليرة، ما حرم المستهلكين من فرصة الاستفادة من الأسعار المنخفضة الحالية.

ـــــ خفض دعم الخزينة لكهرباء لبنان تدريجاً يؤدي إلى زوالها في السنة الخامسة، وهذا الأمر يتطلّب إجراءات عدّة أبرزها زيادة تعرفة الكهرباء على المواطنين الذين لا يحصلون أصلاً على كهرباء مستقرة ودائمة، ويضطرون إلى تسديد فاتورتين باهظتين لمؤسسة كهرباء لبنان ولمولّد الكهرباء في الحي.

ـــــ خفض عدد العاملين في القطاع العام وخفض كتلة الأجور وكلفة التقديمات الاجتماعية، عبر ترك الموظفين يذهبون إلى التقاعد من دون استبدالهم إلا جزئياً وبصيغة التعاقد.

ـــــ خفض التحويلات لصندوق المهجرين ومجلس الجنوب والضمان الاجتماعي ما يمثّل تهديداً اجتماعياً كبيراً إذا لم تقترن هذه الإجراءات ببدائل موثوقة.

ـــــ إلغاء الدعم عن عدد من المنتجات الزراعية (تبغ، شمندر، قمح) وبرنامج دعم الصادرات.

إن هذه العيّنة من الإجراءات ستؤدّي إلى زيادة الضغوط على ميزانيات الأسر وستقلّص قدراتها الشرائية، وهو ما كان يحصل في السابق أصلاً من دون أن يتوقّف نمو الدين العام، إذ تكفي الإشارة إلى أن إيرادات الخزينة تضاعفت 6.5 مرّات بين عامي 1992 و2008، وهو ما ينطبق على فوائد الدين العام التي تضاعفت 6.4 مرّات، فيما الإنفاق الاستثماري تضاعف بمعدّل ضعفين فقط، ما يعني أن اللبنانيين الذين تحمّلوا عبء زيادة الضرائب والرسوم لم يحصلوا في المقابل على أي خدمات أو حقوق أساسية يجب على الدولة توفيرها، بل على العكس، فقد تراجع مستوى الخدمات (الكهرباء مثالاً) وتخلّت الدولة عن مسؤولياتها في توفير الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي (الضمان مثالاً).

الخصخصة

المشكلة الكبرى تكمن في أن واضعي برنامج باريس ـــــ 3 سبق أن أقرّوا بأن تنفيذ هذه الاجراءات من دون الحصول على مساعدة خارجية ضخمة (9 مليارات دولار) على شكل هبات بمعظمها، يجعل من خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي أمراً غير مضمون، إلا أن دعاة تنفيذ إجراءات البرنامج يتجاهلون ذلك، ويصرّون على تنفيذ الالتزامات على الرغم من أن اجتماع باريس ـــــ 3 لم يقرّ مثل هذه الهبات أو المساعدات، وبالتالي فإن الحكومة العتيدة قد تقترف خطيئة مميتة بتحميلها اللبنانيين أعباءً ضخمة في ظل استمرار الدين العام بالتصاعد، ولا سيما أن الخصخصة المطروحة كواحدة من المسلّمات قد تسهم في إبطاء نمو الدين العام لفترة قصيرة جداً ليعود الدين إلى التنامي بوتيرة صاروخية، لأن الدولة ستكون قد خسرت جزءاً أساسياً من مواردها (قطاع الاتصالات يدرّ مليار دولار سنوياً على الأقل).

ولن تكتفي الحكومة العتيدة بطرح رخصتي الهاتف الخلوي للبيع، بل هي تطرح الكهرباء للبيع أيضاً، والجدير بالذكر أن الرئيس السنيورة رفض إدراج خطّة وضعها وزير الطاقة والمياه آلان طابوريان على جدول أعمال مجلس الوزراء، الذي سيبقى قائماً حتى العشرين من هذا الشهر، لأن هذه الخطة لا ترتكز على بيع قطاع الكهرباء لبعض المستثمرين وفتح القطاع أمام استثمارات القطاع الخاص، وهذا الموقف يأتي على الرغم من أن دراسة البنك الدولي عن قطاع الكهرباء في لبنان (وهي جزء من الهبات التي قدّمها البنك في باريس ـــــ 3) خلصت إلى التحذير من الخصخصة قبل اتخاذ إجراءات واسعة للحماية الاجتماعية، لأن النموذج الرياضي الذي استندت إليه هذه الدراسة كشف أن استثمارات القطاع الخاص سترفع كلفة إنتاج الكيلو واط ساعة بمعدّل 3 سنتات مقارنة مع كلفة إنتاجه عبر القطاع العام، وهذا قبل احتساب الأرباح، ما يعني أن السعر الذي يسدده الللبناني للحصول على الكهرباء العامّة سيتضاعف بعد تحويل الكهرباء إلى احتكارات خاصّة، وهذا ما دفع بالوزير طابوريان إلى الإعلان في المجلس النيابي في أيلول من العام الماضي «أن الدافع الأساسي الذي يجعل بعض أركان الطبقة السياسية متحمّساً جداً لخصخصة الكهرباء، هو أن زيادة سنت واحد على سعر كل كيلو واط ساعة سيضع أكثر من 200 مليون دولار سنوياً أرباحاً إضافية في جيوب المستثمرين على حساب مصلحة المواطن والخزينة العامة».


375 مليار ليرة

 

هو المبلغ الذي استهدفته الحكومة من خلال طرحها زيادة تعرفة الكهرباء في هذا العام، وهو ما رفضه وزراء المعارضة، ولا سيما وزير الطاقة والمياه آلان طابوريان.