أذربيجان تتحوّل الى جبهة جديدة في الهجوم القضائي الدولي على حزب اللّه

مشاركة:

يستمرّ الإعداد الممنهج للهجوم القضائي الدولي على مناصري حزب الله. فبعد انطلاق إجراءات قضائية في أميركا الجنوبية (الأرجنتين وكولومبيا) وأفريقيا (مصر والمغرب)

 

وبعد إثارة احتمال اشتباه المحكمة الدولية في لاهاي بالحزب في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولدت جبهة آسيا القضائية أخيراً عبر المحاكم الأذرية.

يشهد العالم مزيداً من الخطوات التنفيذية للقرار المتخذ في دوائر عالمية بتحويل حزب الله الى منظمة إرهابية يجب نبذها ومحاكمة قادتها وأفرادها في كل دول العالم. ويجري الإعداد لشن هجوم قضائي دولي واسع النطاق على المقاومة وسلاحها عبر تجميع معلومات وأسماء ووقائع لا يمكن التأكد من صحّتها، تتعلّق بضلوع مناصرين لحزب الله في عمليات «إرهابية» وقعت أو أحبطت في أميركا وأوروبا وآسيا.

ومع أن البعض يتصرف بسذاجة إزاء مصادفة هذه الحملة مع الحدث الانتخابي اللبناني، إلا أنها صادفت أيضاً بدء إسرائيل بتنفيذ أكبر مناورة مدنية وعسكرية وأمنية في تاريخها، تشمل كل الدولة وتمتد أياماً عدة وتحاكي حرباً شاملة مع جبهات عدة بينها جبهة حزب الله في لبنان.

الإعلام رأس حربة

فبعد فتح ملفات قضائية بحقّ مناصرين لحزب الله في أفريقيا ومصر والأرجنتين والمغرب وكولومبيا وتسريب معلومات عن التحقيق الدولي في احتمال ضلوع الحزب في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، تُثار اليوم قضية في الإطار نفسه في اذربيجان التي يزورها مطلع الشهر المقبل الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز.

واللافت أنه يجري استخدام الاعلام رأس حربة في التحضيرات الجارية للهجوم القضائي الدولي على حزب الله، اذ بدا ذلك جلياً في توقيت نشر تقرير «دير شبيغل» وتزامنه مع التصريحات التي أطلقها ستيوارت ليفي، مساعد وزير الخزانة لمكافحة الإرهاب والاستخبارات المالية، متّهماً حزب الله بالارهاب الدولي من جهة، ووضع اسمين على لائحة الارهاب بتهمة دعم حزب الله. وتزامن ذلك مع قرار المحكمة العليا في الارجنتين بإعادة فتح ملف التحقيقات في تفجير المركز اليهودي في بوينس ايرس مطلع التسعينيات من القرن الماضي، الذي يتهم حزب الله فيه. وتدّل خصوصيات الهجوم الاعلامي على أنه منسّق وممنهج في المضمون والاسلوب كما في التوقيت.

فللمرّة الثانية خلال ايام قليلة يتكرّر نشر وسائل اعلام غربية ذات انتشار عالمي تقارير تشير الى «إرهاب حزب الله»، ليتبيّن أن التقارير هذه كانت قد نشرت سابقاً. غير أن الفارق هذه المرّة هو تزامن نشر التقرير نفسه في صحيفتين، إحداهما اميركية والثانية عربية. وتزامن الامر مع هجوم اعلامي في الاطار نفسه على لسان وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط من العاصمة الفرنسية باريس تضمّن تهديداً مباشراً لحزب الله.

فبعد نشر مجلة «دير شبيغل» الألمانية أجزاءً مما كان الموقع الالكتروني التابع للمعارض السوري نزار نيوف قد نشره منذ أشهر عن حيازة المدعي العام الدولي في جريمة اغتيال الحريري معلومات تدلّ على ضلوع حزب الله فيها، نشرت أمس صحيفة «لوس أنجلس تايمز» الاميركية وصحيفة «الشرق الاوسط» السعودية تقريراً كانت قد نشرت الاجزاء الاساسية من مضمونه صحيفة «السياسة» الكويتية في 27 نيسان 2009 تحت عنوان «اعتقال عنصرين من حزب الله خططا لضرب أهداف غربية في اذربيجان».

وتحت عنوان «اذربيجان تكشف احباط محاولة لتفجير سفارة اسرائيل في باكو انتقاماً لاغتيال عماد مغنية» نشرت «الشرق الأوسط» تقريراً يتصدّر غلافها. وهو التقرير نفسه الذي نشر امس ايضاً في صحيفة «لوس أنجلس تايمز» بقلم الكاتب نفسه وهو الصحافي الاميركي سيباستيان روتيللا.

يسرد التقرير معلومات عن «مخطّط تفجير» كانت تعدّ له «خلية (التعبير نفسه الذي يستخدمه أبو الغيط) حزب الله» في العاصمة الاذربيجانية باكو، غير أن قوى مكافحة الارهاب تمكّنت من القبض على أعضائها ومن بينهم المشتبه فيه علي كركي «الذي يصفه مسؤولو مكافحة الارهاب بالخبير في وحدة عمليات حزب الله الخارجية وعلي نجم الدين الذي يوصف بأنه خبير في المفرقعات».

وكانت صحيفة السياسة الكويتية قد ذكرت ان حزب الله امتنع عن الاعلان عن «سقوط الشبكة» بعد توقيف الرجلين «خشية افتضاح أمر تورّطه في التخطيط لتنفيذ عمليات ارهابية، ومخافة التأثير السلبي لذلك على معنويات الشبكات الاخرى التي يديرها في أماكن أخرى في العالم كما ظهر أخيراً مع اكتشاف شبكة الحزب التي خططت لتنفيذ عمليات تخريبية في مصر».

توقيت أبو الغيط

«هذا حزب وميليشيا عسكرية على الأراضي اللبنانية قرّر أن ينتهك سيادة الدولة العربية الأكبر» قال الوزير أبو الغيط في العدد نفسه من الصحيفة (في مقابلة خاصة أجرتها معه من باريس على هامش محادثات يجريها مع نظيره برنار كوشنير تتركز على عملية السلام وعلى ما آل إليه «الاتحاد من أجل المتوسط») مذكّراً بقضية اعتقال السلطات المصرية المقاوم سامي شهاب (اسم حركي) بتهم تتعلّق بـ«الإرهاب».

وتابع أبو الغيط متوعّداً «كان بالنسبة إلينا يوماً حزيناً أن نرى في مصر السيد حسن نصر الله يتحدث في اليوم التالي للإعلان عن كشف الخلية التابعة لحزب الله ويقول: لم لا؟ أقول له: لم تتجاوز فقط الخطوط الحمراء، بل أي احترام لدولة مصر وسوف تدفع هذه الخلية الثمن».

خلفية الموضوع الأذري

فيما يزداد انفتاح السياسة التركية على العالم العربي، تمضي أذربيجان في الابتعاد عن محيطها الطبيعي، وتبالغ في تملق إسرائيل. وفي هذا الإطار، يمكن فهم دعوة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لزيارة أذربيجان مطلع تموز المقبل، حيث سيختتم بها جولته في كازاخستان وأوزبكستان. وذلك على الرغم من أن باكو وافقت على استقبال بيريز بشرط أن تستقبله على الأقل دولتان مسلمتان من رابطة الدول المستقلة.

ولدى باكو أسبابها للتقرب من تل أبيب، فقد كان الرئيس إلهام علييف يعوّل في استقباله الفاتر لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني مطلع أيلول الماضي إثر الحرب القوقازية على أن تمد موسكو يد العون لأذربيجان في حلّ مشكلة إقليم ناغورني قره باخ، الذي يشكل 20% من أراضيها. غير أن موسكو، التي تعتبر أرمينيا «حاملة طائرات لا تغرق»، وتحتفظ بنحو 100 ألف من عسكرييها فيها، أجابت باكو على خطوتها بضخ أموال تصل إلى مليار دولار لتحديث الجيش الأرميني.

ومن ناحية أخرى، يقلق باكو الغزل الدائر بين يريفان وأنقرة والحديث في 22 نيسان الماضي عن إمكان فتح الحدود التركية ـــــ الأرمينية، قبل حل مشكلة ناغورني قره باخ، الإقليم الأذري، الذي يقطن غالبيته الأرمن، الذين أعلنوه دولة مستقلة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، ما قد يفقد باكو ورقة ضغط بيدها، وتأييد حليفها التركي.

إسرائيل كانت قد استغلت الوضع الاقتصادي والسياسي المتردي في أذربيجان وسارعت عام 1992 بعد تفكك الاتحاد السوفياتي لافتتاح سفارة لها في باكو. ومع ذلك، فإن إيران تقف لأذربيجان منذ ذلك الحين بالمرصاد ولا تسمح لها بافتتاح سفارة لها في تل أبيب مهدّدة بتضييق الخناق على منطقة ناخيتشيفان المنعزلة، التي تفصلها عن الأراضي الأذربيجانية من الشمال أرمينيا وتحدّها من الجنوب إيران.

ويقلق أذربيجان أيضاً أن الصداقة مع واشنطن لم تحم نظام الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي من الهزيمة بعد عدوانه العسكري على أوسيتيا الجنوبية. والغرب لا يسرع لاحتضان باكو لأنه لا يريد توتير العلاقات مع موسكو بعد أحداث أوسيتيا الجنوبية، ولا سيما أن أذربيجان هي الدولة الأكثر فساداً بين دول رابطة الدول المستقلة، وتنتهك فيها حقوق الإنسان وتُكمّ أفواه الصحافيين، وتغيب فيها المؤسسات الديموقراطية، وإضافة إلى ذلك خففت الأزمة الاقتصادية العالمية من إمكان ضخ الأموال الغربية في دولة الطاقة هذه.

وبالنظر إلى امتناع الإدارة الأميركية الجديدة عن خطط حل مشكلة الملف النووي الإيراني بالوسائل العسكرية، فقد فقدت أذربيجان جاذبيتها الاستراتيجية كرأس جسر لتوجيه ضربات إلى الجارة الإيرانية. كذلك يقوم اللوبي الأرميني القوي في الولايات المتحدة بإعاقة إقامة تحالف مع باكو.

كل ذلك يدفع باكو إلى التعويل على علاقاتها مع إسرائيل بما في ذلك لاستخدام اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لإضعاف اللوبي الأرميني.

يجب القول إن إسرائيل تلبي 30% من حاجاتها من النفط الأذربيجاني بواسطة خط أنابيب «باكو ـــــ تبليسي ـــــ جيهان»، ويتعاون البلدان في الصناعات العسكرية. أما بالنسبة للتعاون الاستخباري، كما قال دبلوماسي إسرائيلي سابق لموقع IZRUS، تشعر الاستخبارات الإسرائيلية في أذربيجان بنفسها كأنها في بيتها، ويؤكد أن أذربيجان تحولت إلى رأس «جسر استخباري» لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وقد ثبتت أقدامها على الحدود مع الجمهورية الإسلامية.

من هنا يمكن فهم توقيت المحاكمات، التي تجري في باكو لمن تسمّيهم الإرهابيين الإسلاميين. فباكو لم تبدأ إلا في 29 أيار الماضي بمحاكمة 26 من المتهمين بتفجير مسجد أبي بكر في باكو في 17 آب 2008، حين قتل جراء إلقاء قنبلتين يدويتين على المسجد اثنان من المصلين وجرح 13 منهم. ووجهت التهمة إلى أعضاء تنظيم «إخوة الغابات»، الذي يتألف بغالبيته من الأتراك، بارتكاب هذا العمل الإجرامي.

وفي 27 أيار، عقدت الجلسة التمهيدية المغلقة لمحاكمة 6 أشخاص بتهم تبدأ من نقل معلومات إلى بلد أجنبي والتجسس والإعداد لعمليات إرهابية وتهريب الأسلحة والمخدرات. ووفقاً لخلاصة الاتهام، فقد خطط لبنانيان ينتميان الى حزب الله لتفجير السفارة الإسرائيلية.