قفص الصيصان

مشاركة:

الانتخابات وجه من وجوه الديمقراطية.

هكذا تلقفها الناس بسرعة كما اعتادوا على تلقف كل الصرعات الرأسمالية

التي لا تعدو عن كونها فخاً للإيقاع بهم ثم وضعهم في قفص الاستهلاك الإدماني لأشياء عاش البشر قروناً من دونها.

وعلى طريقة ذلك الذي اقتحم الطابور متسللاً على باب الحافلة مجيباً أحد منتقديه “أنا حر فنحن في بلد ديمقراطي”، يبدو المشهد الانتخابي شيئاً مركباً بين الملهاة والمأساة، خاصة عندما يتعامل معه بعض الناخبين والمرشحين كبضاعة معلّبة نزلت من الميناء بختم غربي.

أحد المرشحين للانتخابات اللبنانية بذل جهداً مضنياً للانضمام لإحدى اللوائح، وعندما فشل خرج بمؤتمر صحافي يصف فيه اللائحة التي كان يجهد للالتحاق بها بأنها “قفص صيصان” . وهكذا سبق وجه الصوص وجه مراسل إحدى الفضائيات وهو يقدم تقريره عن المشهد.

يأخذ “القفص” إذن، وظيفة جديدة وينضم إلى معركة الديمقراطية إلى جانب وظائفه المتعددة، فالعازبون يضعون حداً لحياتهم المفتوحة عندما يدخلون قفص الزوجية الذهبي، والعصافير تلتقط الحب المفخخ لتنتهي إلى قفص في بيت ذي ترف. الشاعر الكبير مظفر النواب أحل في إحدى قصائده ديكاً إلى قفص الدواجن وأكمل القصيدة على لسان الديك المصدوم بالإهانة . والفنان الكبير دريد لحام في تقديم مسرحيته “شقائق النعمان” أدخل ذكر البط قفص الدجاج ك “لاجئ سياسي”. والحداثيون الليبراليون العرب يتباهون ب “تحررهم” من قفص القومية والعروبة، ويعتلون أغصان الغرب و”إسرائيل” ل “يغردوا” باللغة العبرية.

عندما كان المرشح اللبناني يتحدث عن قفص الصيصان “الانتخابي” كانت القوى اللبنانية تضع أعضاء شبكات جديدة من جواسيس الموساد في قفص الاعتقال، وتعود للبحث عن غيرهم ممن لا تكاد تخلو منهم أرض على وجه الكرة الأرضية، وينشطون أكثر كلما اشتبك أهل البلاد مع بعضهم بعضاً وغرقوا في اتهامات متبادلة بارتكاب جرائم يرتكبها خفافيش الليل بمساعدة فرسان النهار.

لا غرابة إذن أن يصبح القفص ماركة مسجلة لسياسة حديثة تجعل المستعمر قوة “تحررية” وتضع المقاومة في قفص الاتهام، وتدفع “إسرائيل” المغرورة لتجهيز قفصي اعتقال لحسن نصرالله واميل لحود . وها هي “الديمقراطية” الوحيدة في الشرق الأوسط تزجّ بأحد عشر ألف أسير فلسطيني وعربي في أقفاص حجرية، وتحوّل غزة إلى قفص الحصار والضفة الغربية في قفص الجدار.

جورج توماس الذي كان راعيا لكنيسة انجليزية، وبعدما عتق بعشرة دولارات ثلاثة عصافير من قبضة صبي كان ينوي نتف ريشها وتقديمها لقطه الأليف، يروي لزملائه أن الشيطان قبض على الإنسان بسبب خطيئته، بعد أن وضع له مصيدة، وقع الإنسان فيها، وهكذا أصبح العالم بأسره في القفص، فالتخلف قفص، والعادات القبيحة قفص، والطائفية والمذهبية والعشائرية والمصطلحات الجاهزة على ألسنة الناطقين الرسميين، وإطلاق يد العبث باسم التصدي للارهاب والتباكي على السيادة والأمن والاستقرار، والكذب في مجلس الأمن لتبرير عدوان على بلد آمن، وتشكيل لجان التحقيق لامتصاص هول الجرائم، وتلفيق الاتهامات لتجريم بريء وتبرئة مجرم، كلها أقفاص لأصحابها والمخدوعين بها وللحقيقة الأسيرة مؤقتاً لأنها الوجه الآخر للخديعة.