الشرق : كيف حلّ الرئيس رفيق الحريري الأزمة المالية عام 2000 .. وماذا يفعلون اليوم؟‎ ‎

مشاركة:

كتبت صحيفة ” الشرق ” تقول : ‎في تشرين الأول من العام 2000، كان قد مضى على بداية عهد الرئيس الأسبق إميل لحود مثل الذي كان قد مضى ‏من عهد ميشال عون حين اندلعت ثورة 17 تشرين الأول 2019‏‎.‎
‎ ‎
‎- ‎في نهاية العام 2000 كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 151%، أي ما يعادل بالضبط ما كانت ‏عليه النسبة قبيل ثورة 17 تشرين! كان حجم الدين العام قد تجاوز 24 مليار دولار، في حين لم يكن حجم ‏الاقتصاد (الناتج المحلي الإجمالي) يتجاوز 16 مليار دولار‎.‎
‎ ‎
‎- ‎تماماً كما هو الحال اليوم، كانت البلاد تواجه “العجز التوأم”، أي المزيج بين عجز الميزانية العامة وعجز ‏ميزان المدفوعات‎.‎
‎ ‎
‎- ‎كان عجز الميزانية يعادل 24% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف ما هو عليه اليوم‎.‎
‎ ‎
‎- ‎أدى الضغط على الليرة في ذلك الحين إلى هبوط احتياطيات مصرف لبنان بالعملة الأجنبية إلى 5.7 مليارات ‏دولار، لا أكثر‎.‎
‎ ‎
‎- ‎دخل الاقتصاد في الركود في العام 1999، مع تسجيله نمواً سلبياً بـ -1%، قبل أن يعود لتسجيل نمو لم يتعدّ ‏‏1.3% في العام 2000‏‎.‎
‎ ‎
أزمة العامين الأولين من عهد لحود تتطابق إلى حدٍّ مدهش مع الأزمة الراهنة… مع فارق وجود رفيق الحريري
‎ ‎
حين عاد الحريري إلى الحكم، كان المأزق على الورق مطابقا للمأزق الحالي: لا يمكن طبع المزيد من العملة ‏الوطنية لتغطية العجز، لأنّ ذلك يعني انهياراً محتماً لليرة، ولا يمكن الاستمرار في الاقتراض الخارجي، في ظلّ ‏الوضع السيّىء للمالية العامة. كانت كلّ الأرقام تشير إلى أن الخروج من الأزمة مستحيل من دون برنامج تمويلي ‏مع صندوق النقد الدولي، ومن دون تحرير سعر الصرف‎.‎
‎ ‎
خطة رفيق الحريري
‎ ‎
القصة المنسية أن رفيق الحريري ووزير المالية حينها فؤاد السنيورة ووزير الاقتصاد باسل فليحان وضعوا خطة ‏مالية – اقتصادية للخروج من الأزمة، ونفذوا على مدى عامين، إصلاحات لم يعرف لبنان مثلها منذ العهد ‏الشهابي. ولولاها لما كان ممكناً أن يتجنّب لبنان التعثر، على نحو ما فعلت حكومة حسان دياب، ولما كان ممكناً أن ‏يتجنّب انهيار الليرة واللجوء إلى صندوق النقد الدولي‎.‎
‎ ‎
تلك القصة يحلو لرئيس الجمهورية ميشال عون أن يمحوها من التاريخ (قال إنّ خطة حكومة دياب هي الأولى، ‏‏”بعدما كاد عدم التخطيط وعدم استشراف المستقبل أن يصل بالوضع الى الخراب”، وفق تعبيره‎).‎
‎ ‎
في وقائع التاريخ أنّه بعد أربعة أشهر فقط من تشكيل حكومة الحريري، انعقد في قصر الإليزيه مؤتمر “باريس ‏‏1″، بتاريخ 27 شباط 2001، برئاسة الرئيس الفرنسي جاك شيراك وبحضور رئيس “البنك الدولي” جيمس ‏ولفنسون، ورئيس “المفوضية الأوروبية” رومانو برودي، ونائب رئيس “البنك الأوروبي للاستثمار” فرنسيس ‏ماير، ووزير المال والاقتصاد والصناعة الفرنسي لوران فابيوس‎.‎
‎ ‎
عرضت الحكومة اللبنانية في ذلك الاجتماع خطتها لخفض العجزين في الميزانية والحساب الجاري، وتحفيز ‏النمو. واستبقت ذلك بدفعة أولى من الإصلاحات، شملت خفض المعدل العام للتعرفة الجمركية من 12% إلى 6%، ‏والعمل على إنشاء الشبّاك الموحّد للمستثمرين، وإقرار سياسة الأجواء المفتوحة، وإقرار قانون تملّك الأجانب، ‏وقانون مكافحة غسيل الأموال، الذي سمح بإخراج لبنان لاحقا من قائمة‎ FATF ‎للدول غير المتوافقة مع المعايير ‏الدولية على هذا الصعيد. كما قرّرت الدولة خصخصة قطاع الكهرباء وإصلاح نظام الضمان الاجتماعي‎.‎
‎ ‎
أثمر اجتماع باريس الأول نتيجتين أساسيتين: الأولى هي الاتفاق على التحضير للمؤتمر الموسّع اللاحق الذي ‏عرف باسم “باريس 2” بعد أن تتقدّم الحكومة في تطبيق الإصلاحات، والثانية هي تقديم هبات وقروض للبنان ‏بقيمة 500 مليون يورو‎.‎
‎ ‎
‎”‎باريس 2‏‎”‎
‎ ‎
بين شباط 2001 وتشرين الثاني 2002، الموعد الذي انعقد فيه مؤتمر “باريس 2″، أعدّ الحريري خطة تضمّنت ‏أكبر إصلاحات مالية في تاريخ لبنان، كان قد بدأ تنفيذ جانب كبير منها بالفعل على مدى العامين السابقين‎.‎
‎ ‎
في العام 2000 كانت أرقام العجز واحتياطيات مصرف لبنان تحتّم اللجوء إلى صندوق النقد أو انهيار الليرة
‎ ‎
لم يكن انعقاد “باريس 2” منعطفاً في التاريخ الاقتصادي للبنان فحسب، بل في التاريخ السياسي أيضاً، تطلّب ‏الأمر من رفيق الحريري أن يزور دمشق مرّتين قبل المؤتمر، ومرّة بعده مباشرة، ليحدّ من هواجس الرئيس ‏السوري بشار الأسد تجاهه‎.‎
‎ ‎
تضمّنت الخطة برنامجاً لخصخصة قطاعات الهاتف والكهرباء والمياه والمواصلات، ترافقه عمليات تسنيد، ‏لتوفير تدفقات مالية تبلغ 5 مليارات دولار، تدخل في صندوق خاصّ تُحوَّل إليه أيضا الفوائض المحقّقة في ‏الحساب الأولي للموازنة، ويخصّص حصراً لخدمة الدين العام وإطفائه. وكان من المنتظر أن يؤدّي ذلك إلى توفير ‏قرابة 700 مليون دولار سنوياً من خدمة الدين على الخزينة‎.‎
‎ ‎
كما تضمّنت الإصلاحات تطبيق الضريبة على القيمة المضافة اعتباراً من مطلع العام 2002، وهو ما سمح ‏بتحقيق أول فائض أوّلي في الموازنة بعد الطائف (هذا الفائض الذي أشار إليه جبران باسيل مؤخراً في معرض ‏التقليل من الفظاعات المالية في ملف الكهرباء!). وكانت تقديرات موازنة العام 2003 تشير إلى انخفاض العجز ‏بمقدار 1.2 مليار دولار، ما يعادل تحسنا بنسبة 43% قياساً إلى العجز في العام 2002 ونحو 7% قياساً إلى ‏إجمالي الناتج المحلي‎.‎
‎ ‎
ومن الإصلاحات التي سبقت انعقاد “باريس 2” ما تطلّب مواجهة سياسية قياسية، إذ تمّ صرف الفائض الهائل في ‏تلفزيون لبنان، واتُخذ القرار بإحالة فائض الموظفين في الإدارات العامة إلى مجلس الخدمة لإلحاقهم بوظائف ‏شاغرة‎.‎
‎ ‎
الميدل إيست والكهرباء
‎ ‎
لكن في قصة إصلاحات “باريس 2″ مفارقة تلخّص كلّ ما جرى خلال عشرين عاماً بعد ذلك. كانت شركة ‏‏”طيران الشرق الأوسط” لا تقلّ استنزافاً للخزينة عن مؤسسة كهرباء لبنان. في العام 1998 مثلاً، بلغت خسائر ‏‏”الميدل إيست” 87 مليون دولار، بينما بلغت التحويلات إلى “كهرباء لبنان” 64.8 مليون دولار. كانت ‏خصخصة الكهرباء مدرجة على الخطة، حالها حال إعادة هيكلة “الميدل إيست”. والفارق بين ما جرى في ‏الكهرباء وما جرى في “الميدل إيست” يلخّص الفارق بين تطبيق خطة “باريس 2” وعدم تطبيقها‎.‎
‎ ‎
خسائر “الميدل إيست” في 1998 كانت تفوق عجز “الكهرباء” قبل اتخاذ القرار الحاسم بإصلاحها في 2001‏
‎ ‎
لم يكن الأمر نزهة على أيّ حال. تطلب إصلاح “الميدل إيست” إرادة سياسية صلبة في العام 2001، لتنفيذ القرار ‏الحاسم بصرف فائض الموظفين في الشركة، حتّى وصل الأمر إلى محاصرة رئيس مجلس الإدارة محمد الحوت ‏في مكتبه. حينها وقف أحد نواب “حزب الله” عمار الموسوي مع الموظفين المعتصمين على مدخل الشركة ليربط ‏الأمر بالمواجهة مع العدو الصهيوني. قال الرجل حينها: “أين كان هؤلاء حين كانت دماؤنا تتشظّى على ‏الجدران؟‎”!‎
‎ ‎
النتيجة واضحة بعد عشرين عاماً: “كهرباء لبنان” كبّدت الخزينة أكثر من 40 مليار دولار من الدين العام، فيما ‏تحوّلت “الميدل إيست” إلى الربحية، واشترت أسطولاً من الطائرات، وواظبت على تحديثه من دون أن تكبّد ‏الخزينة قرشاً واحداً، وباتت ترفد المال العام بتوزيعات سنوية بقيمة 55 مليون دولار‎.‎
‎ ‎
كان يمكن لخصخصة الكهرباء أن تؤتي نتائج مماثلة، لو لم يقف في وجهها الفريق المقابل‎.‎
‎ ‎
‎”‎الميدل إيست” تعطي الدولة 55 مليون دولار سنوياً فيما “الكهرباء” كبّدتها أكثر من 40 مليار دولار
‎ ‎
بقية القصة معروفة. بعد أشهر قليلة من “باريس 2″، أسقط النظام السوري حكومة الحريري، وأُجبر الرجل على ‏تشكيل حكومة بموازين قوى مختلفة تماماً، وعاد النظام الأمني ليفرض سطوته على مفاصل الحياة السياسية. ‏فطُويت صفحة الإصلاحات، وصُوّرت الخصخصة على أنّها شيطان يجب لعنه صبحاً ومساءً‎.‎
‎ ‎
قيل للبنانيين إنّ الخصخصة ستذهب بأصول الدولة بثمن بخس. لنفترض أنّ الدولة باعت “كهرباء لبنان”، ‏بأرضها ومعاملها وشبكة توزيعها، وبدولار واحد في ذلك الحين، هل من سعر أبخس من هذا؟ ألم تكن لتوفر على ‏اللبنانيين 40 مليار دولار وأزمة هذه الأيام لو فعلت؟
‎ ‎
ألا يحقّ للحريرية الوطنية اليوم أن تعيد فتح الحساب؟