بدء موسم حصاد عملاء الفئة الأولى

مشاركة:

سجّل فرع المعلومات نقطة إضافيّة في سجل مواجهة شبكات التجسّس الإسرائيلية. ثمة مجال لكلام كثير في السياسة وغيرها عمّا يحصل مع هذا الجهاز الناشط منذ خمس سنوات.

وثمة تقديرات متفاوتة عن طريقة عمله، بما في ذلك اختياره التوقيت الخاص بتوقيف عملاء أو غير ذلك. لكن ثمة حقائق قوية لا يمكن أحداً النظر إليها بطريقة مجتزأة. وهي أن هذا الفرع قدّم تجربة مهنية متقدمة. ولو أن البلاد خارج الانقسام السياسي، لكان بالإمكان الحديث عن تطور نوعي في العمل الأمني الرسمي في لبنان، وهو تطور يؤكد مرة جديدة أنه متى توافرت له عناصر النجاح، من الإمكانيات إلى الخبرات والتخطيط إلى الإرادة، فإن النتائج ستكون كبيرة.

مباشرة بعد اندلاع الموجة الأخيرة من السجال بشأن ما يُعدّ في ليل من قرار اتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كانت النقطة المحورية في هذا البحث هي تلك المتصلة بعمل فرع المعلومات الذي لا يزال شعبة تحتاج إلى تشريع قانوني لواقعها القائم الآن. والسبب يعود إلى مجموعة كبيرة من الأخطاء التي تظهر وقائع التحقيقات المعروفة، بشقّيها المنشور أو غير المنشور، أنه كان مسؤولاً عن أمور كثيرة أدّت إلى الإضرار بقوى لبنانية وبأشخاص وبأفراد، وأنه استخدم عن قصد أو عن غير قصد وسيلة لملاحقة سياسية، وصولاً إلى السؤال الكبير الذي وجّهه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن علاقة فرع المعلومات بقضية الموقوف في شبكة التجسس شربل. ق.، وهو السؤال الذي لم يقدّم لأجل الحصول على إجابة تقنية باردة من جانب قوى الأمن، بل لأجل الإضاءة على الجوانب الإشكالية في عمل هذا الجهاز، وهو الأمر الذي كان مدار بحث تفصيلي بين نصر الله ووزير الداخلية زياد بارود الذي خرج من اللقاء «مع كمية من الأسئلة التي تكوّنت عنده عن أمور كثيرة، من بينها ما يخصّ عمل هذا الفرع الواقع تحت سلطته».

في غضون ذلك، كانت هناك إشارة سياسية وعملانية وأكثر من ذلك، إلى جهد خاص يقوم به ضباط فرع المعلومات ورتباؤه لتوجيه ضربة تندرج في خانة العمليات الأمنية النوعية، وهي التي أدّت إلى الكشف عن تورّط القيادي في التيار الوطني الحر العميد فايز ك. في التعامل مع العدو. ولو أن التحقيقات معه كانت لا تزال مركزة على حقيقة الخدمات التي وفرها وعلى فترة التعامل وآلية عمله وأمور أخرى.

إلى جانب الصدمة التي أحدثها إعلان كشف هذا المشتبه فيه، فإن النقاش انتقل مباشرة ليركز على خلفية هذه الخطوة وأبعادها، وهل فرع المعلومات الذي يُحسب سياسياً على تيار «المستقبل» وعلى الفريق الأمني ـــــ السياسي التابع لقوى ودول محور أميركا، كان يقوم بهذه الخطوة على سبيل الرد بفعل لا بكلام على الاتهامات الضمنية أو المعلنة له بالتورط في أعمال تستهدف المقاومة في لبنان؟ وهل فرع المعلومات يقصد من وراء هذه الخطوة إحراج قوى المعارضة، ولا سيما التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون الذي يقود الحملة على عمليات تضليل التحقيق ويشدّد على حماية المقاومة ومواجهة مشاريع فتنة تقف إسرائيل خلفها؟ وهل فرع المعلومات اختار هذا التوقيت بالذات ليسجل نقطة في منافسة ذات بعدين مهني وسياسي؟

وأكثر من ذلك، فإن مجموعة الأسئلة تقف أيضاً عند الاعتبار الخاص بطريقة الكشف عن العملاء، ولا سيما أن فرع المعلومات يستند حتى اللحظة، استناداً كبيراً، إلى ملف الاتصالات مصدراً رئيسياً لمراقبة أو ملاحقة مشتبه في تورّطهم بعمليات إجرامية أو بالتجسّس لمصلحة إسرائيل، علماً بأن لدى فرع المعلومات مجموعات تطوّر الآن قدراتها على تحقيق تقدم في وسائل أخرى لكشف الجرائم ولمكافحة التجسس. وأحد الأسئلة هو هل كان فرع المعلومات يسعى من خلال هذه العملية الأمنية النوعية إلى إعادة الاعتبار إلى وسيلة المراقبة التقنية واعتبارها دقيقة في التوصل إلى النتائج، وذلك بقصد ترميم الصورة التي تعرّضت لاهتزاز كبير جداً بعد توقيف مجموعة من العملاء في قطاع الاتصالات الخلوية والثابتة. ثم خرج من يسأل عما إذا كان فرع المعلومات يريد حماية الاستنتاج الذي توصل إليه في فترة سابقة بشأن وجود إشارات إلى تورّط أفراد من حزب الله في جريمة اغتيال الحريري، وهو الذي يعرف أن الجميع يعلمون أن التقارير الأولية وبعض التفاصيل الأساسية التي استندت إليها فرق التحقيق في مكتب المدّعي العام الدولي بشأن القرار الاتهامي، مثّلت الأساس العملاني للاشتباه في أن أفراداً من حزب الله أو مقرّبين منه لهم صلة بالجريمة، كان مصدرها فرع المعلومات. وهذه التقارير معروفة وموجودة عند الطلب، وعدم التطرق إليها علناً يرتبط بأمور إجرائية تتصل بعمل التحقيق من جهة، وبالحدّ من الآثار السلبية لكشفها من جهة ثانية.

نصر الله يفتتح مرحلة جديدة من المقاربة الأمنية لجرائم الاغتيال السياسي

فرع المعلومات يتقدّم مهنياً ويسجّل نقطة ويفتح الباب على مستوى جديد من العمل الأمني اللبناني

وبعد؟ ربما يكون هناك رابط قوي بين هذه العملية النوعية وكل هذه الأسئلة، وقد يكون بمقدور جهات نافذة وفاعلة وذات صدقية أن تثبت وجود صلة بين هذا الإنجاز وهذه الأسئلة. لكن ثمة حقيقة تتعلق بالنتيجة التي تقول إن فرع المعلومات سجّل سابقة في الاقتراب من دوائر مشتبه في تورّطها في أعمال إجرامية، بينها الاتصال بالعدو وخدمته، وإنه لم يقف عند الاعتبارات التي حالت حتى اللحظة دون توقيف مجموعة كبيرة من عملاء «الدرجة الأولى»، علماً بأن فريق العمل في فرع المعلومات يعرف أن قيادة المقاومة اتخذت قراراً عملياً بالمضي في هذه المعركة، وإسقاط كل الاعتبارات التي كانت قائمة سابقاً، والتي كانت تحول أو تعرقل المباشرة بحصاد هذه الفئة من العملاء. وبذلك، فإن الفريق الأمني في المقاومة أو في مديرية استخبارات الجيش أو في أجهزة أخرى، قد بات حراً من أيّ قيود، وبات أمام استحقاق القيام بدوره في هذا المجال، وهو الأمر الذي سيفرض واقعاً مختلفاً على البلاد. ولا يعرف حتى اللحظة ما هي الإجراءات الوقائية التي سيلجأ إليها العدو نفسه أو العاملون معه، وسط انطباعات تسود أوساطاً أمنية فاعلة بأن البلاد ستشهد موجة نزوح لعدد من الشخصيات التي تعرف أن وقت قطافها قد حان.

وبمعزل عن نتائج الاتصالات الجارية بعيداً عن الأضواء بين الجهات العربية والدولية المعنية بملف المحكمة الدولية، والتي تستهدف خطوة تمنع وقوع لبنان في الفتنة القاتلة، فإن المؤتمر الصحافي الذي سيعقده الأمين العام لحزب الله، الاثنين المقبل، سيكون في الشكل مناسبة لكي يتعرّف الرأي العام إلى بعض جوانب عمل المقاومة الأمني في مواجهة إسرائيل، لكنّه سيفتح الباب أمام سجال مختلف بشأن طريقة مقاربة التحقيقات لجرائم كبرى مثل جريمة اغتيال الحريري. وقد يتحول إلى فرصة لإثبات عدم صدقية القرار الدولي باعتبار اللبنانيين عاجزين عن إدارة ملفات بهذه الحساسية.