الخميس 20/9/ 2018

10/1/1440 هـ

القائمة الرئيسية

 

احفظ بياناتك

اخي الزائر , يمكنك حفظ بياناتك حتى توفر الوقت عند وضع التعليقات.
 الإسم :
 
 البلد :
 
 
 

» القائمة البريدية


إشتراك إلغاءالإشتراك

» خدمة الواتس آب

مثال:9613229857
إشتراك إلغاءالإشتراك
 
 

صور مـخـتـارة


الشهيد حسن مالك حرب

 

 الإحصائيات

 المتواجدون 949
 مجموع الزوار 29569314

إعــلانــات

اعلن معنا
اشترك في خدمة whatsapp
Add
لاعلاناتكم: ٧٦٦٩٠٤٦٩





 الصفحة الرئيسية » مـقـالا ت
 
 حروب صغيرة
   20/07/2015 جعفر العطار | مرات القراءة:  366 | أضف تعليق    


حروب صغيرة
 
كان الأب نائماً، بينما الأم تصلّي بيدين رفعتهما أمام وجهها كما لو أنهما كتاب، مرتدية عباءة لونها بلون الثلج. استيقظتُ جائعاً. سمعت صوت ابتهالات أمي الخافتة الهادئة

ورأيتُ أبي ممدداً فوق السرير بوجه شاحب. مشيت نحو المطبخ بخطوات حذرة.

بقايا طعام وإبريق ماء على الطاولة. التهمتُ الطعام وشربت مستعجلاً. كان يوم أحد، ظهراً. عدتُ إلى غرفة النوم. حاورت نفسي بصوت هادئ خافت: «الله لن يعاقبني لأنني كسرتُ قواعد الصيام في شهر رمضان. اليوم إجازة في المدرسة، وإجازة في السماء أيضاً. لن يعرف الله أنني لستُ صائماً».
آنذاك، سار شهر رمضان إلى جانبي بطيئاً، ثقيلاً، متجلياً أمامي بهيئة عجوز يحمل عصا يهوي بها على رأس كل مَن يكسر قواعد الصيام، باستثناء أيام الإجازة المدرسية، والسماوية. بيدين مرتعشتين خائفتين، طويتُ رغيف خبز كما لو أنني أغلق كتاباً، ثم قضمته بسرعة. مرّت دقيقة. دقيقتان. كان يوم أربعاء: لا إجازة. لم يظهر العجوز.
اجتزتُ خوفي من الله، لكنني اكتشفتُ خوفاً قريباً: أبي.
اعتدتُ رؤية أبي كأنه مندوبٌ من السماء: عينان تراقبان صلاة الابن وصيامه، استكمالاً لمهمة أوكلها إليه أحد ملائكة السماء. لم يكن ثمّة مفرّ: ادّعيتُ أمام أهلي أنني أصوم وأصلّي، خوفاً من عصا الأب، وطمعاً في الاحتفاء بثلاثة أيام من الفرح: العيد.
واربتُ خوفي من حرماني بهجة العيد بقفازّين أستخدمهما حين أجوع وأعطش. قفازان خياليان أستخدمهما لأتمكن من تناول الطعام سراً، وارتشاف المياه دفعة واحدة، خلسة. مرّ شهر رمضان ونجحتُ في الامتحان: لم يعرف أبي بسرقتي، ولم يظهر العجوز أمامي.
جهزتُ ثياب العيد قبل نومي. وبينما كنت أغفو، فكرتُ مزهواً: «لو عرف أبي بسرقتي، كان سيحرمني من مكافأة العيد المالية ومن حروبي الصغيرة. كان سيحرمني لذة السفر من الضاحية إلى المدينة، إلى اكتشاف حرج بيروت والتمدد على العشب، وتسلّق الأرجوحة مع فتيات العيد الجميلات».
استيقظتُ في الصباح مسروراً. اشتريتُ مسدساً وبندقية، تمهيداً لبدء الحرب، قبل بدء طقوس العيد العائلية.
تجمّعنا تباعاً، نحن أطفال الحيّ الشعبي، في باحة موقف للسيارات، ثم تفرّق كل منا في مجموعة عسكرية: بنادق رصاصها من بلاستيك تعلو أكتافنا، ومسدسات تحاصر خواصرنا، بينما وجوهنا تغزوها إيماءات تهديد طفولية.
اجتمعنا، أنا وأحمد وعلي، في مجموعة واحدة. كان أحمد أصغرنا سناً، وأكثرنا ارتباكاً بسبب بندقيته القديمة: لم يتمكن من شراء بندقية جديدة مثلنا، لأن والده لم يمنحه مكافأة العيد، في ذلك العام البعيد. لكن أحمد كان أكثرنا براءة: تسللت مجموعتنا بين الأزقة المتعرجة، ولما اقتربت منا مجموعة منافسة، كانت بندقية أحمد مصوّبة نحو أحدهم، وجهاً لوجه.
بدا أحمد حينها جامداً كما لو أنه تمثال. صرختُ بوجهه: «انتبه!». كان يقظاً، ومنتبهاً، لكنه ظل جامداً، رافضاً أن يضغط على الزناد. استدار أحمد مثل لولب صغير ومشى بخطوات بطيئة، تاركاً باحة حربنا الصغيرة.
في المساء رأيته منزوياً، يراقبنا بعينين مبتسمتين، بينما كنا نخوض حرباً ليلية: نوجه المفرقعات يميناً وشمالاً نحو البيوت، ضاحكين فرحين بالأذى الذي نرميه، عبثاً.
بعد أيام قليلة، ترك العمّ أبو أحمد المبنى المجاور لمنزلنا: اتهمته لجنة المبنى بأنه لا يقوم بواجباته المطلوبة في عمله، القائمة على التنظيف وتأمين الهدوء لسكان المبنى. غادر العمّ شارعنا عائداً إلى سوريا، ورحل معه أحمد، تاركاً خلفه حروبنا الصغيرة.
اعتدتُ، بعد سنوات طويلة من ذلك اليوم البعيد، اجتياز مخاوفي القديمة، لكنني قبل شهور قليلة، وحتى اليوم، لم أتمكن من اجتياز خوف سيبقى أزلياً: وجه أحمد في الصورة الآتية من سوريا، بعينيه التائهتين وفمه المفتوح المخضّب بالدماء، فيما إحدى ذراعيه متفحمة، وإلى جانبه العم أبو أحمد ممدداً نائماً نوماً أبدياً.
الأيام، منذ موت أحمد، تسير بطيئة، ثقيلة، كأنني في إجازة طويلة، مستذكراً حروبنا الصغيرة، ومحاصراً بحروب كبيرة، ضحاياها أحمد، وكل من رفض الضغط على الزناد، بينما القذائف تهوي من السماء، ترقص فوق الجثث كما لو أنها في عيد أزليّ.

 
السفير

 

 

 

لم يعجبني
0
0
    شــارك الــمـقـال ::         
كلمات دلالية :  
 

التعليقات (0)



 
  اضغط هنا لإضافة تعليق
الاسم: البريد الإلكتروني :
التعليق :
اضف التعليق
 

 مقالات ذات صله ..

 مقالات مختارة..

 الأكثر قرائه ..

 الأكثر تعليقا ..

 آخر الأخبار ..

 آخر التعليقات ..

 
  الخدمات:
أعلن معنا
شارك في الموقع
شريط الأدوات
أقسام أخرى :
المكتبة الصوتية
منتديات جبشيت
سجل الزوار
عن بلدة جبشيت
تواصل معنا :
لإقتراحاتكم و إستفساراتكم
إتصل بنا
أو بريدنا : mail@jebchit.com
 
الحقوق محفوظة لموقع جبشيت ©